الشيخ محمد رشيد رضا

435

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المبينة في آيات كثيرة من كتابه وهو أن أول اتباع خاتم الرسل ( ص ) كاتباع من تقدمه من اخوانه الرسل ( ص ) أكثرهم من الضعفاء الفقراء ، وان أعداءه كأعدائهم هم المترفون من الأكابر والرؤساء ، وان هؤلاء الأعداء المستكبرين عن الايمان كانوا يحتقرون السابقين إلى الايمان ويذمونهم ويعدون أنفسهم معذورين أو محقين بعدم رضائهم لأنفسهم بمساواتهم ، وتارة يقترحون على الرسل طردهم وإبعادهم ، قال اللّه تعالى في سورة سبأ ( 34 : 34 وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 35 ) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) وقال تعالى في سورة هود حاكيا قول الملأ أي الاشراف من قوم نوح عليه السّلام له ( 11 : 27 وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ ) وقوله لهم ( ( 28 ) وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ - إلى قوله - أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ) وقد حكى اللّه عن كفار قريش انهم قالوا في هؤلاء الضعفاء السابقين إلى الاسلام ( 46 : 10 لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ ) وقال في شأنهم من سورة مريم ( 19 : 72 وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً ) ومعنى الآية هنا ولا تطرد أيها الرسول هؤلاء المؤمنين الموحدين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي أي في أول النهار وآخره أو في عامة الأوقات لأنه يكنى بطرفي الشيء عن جملته ، يقال يفعل كذا صباحا ومساء ، إذا كان مداوما عليه ، وإذا أريد بالغدو والعشي حقيقتهما فيحتمل ان يراد بالدعاء الصلاة لأنها كانت في أول الاسلام صلاتين إحداهما في الصباح والأخرى في المساء ، وروي عن مجاهد ان المراد صلاتا الصبح والعصر ، والا فالدعاء يشمل الدعاء الحقيقي والصلاة والقرآن المشتملين عليه . والغداة والغدوة كالبكرة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، والعشي آخر النهار وقيل من المغرب إلى العشاء وقيل من بعد الزوال . وقرأ ابن عامر ( بالغدوة ) بضم الغين وفتح الواو ، ويساعده رسم المصحف لأن الكلمة فيه بالواو كالصلاة والزكاة ، والباقون بالغداة بفتح الغين وقلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها حسب القاعدة ، واستعملت غدوة بالضم بالتنوين وبغير التنوين كبكرة